الجاحظ
22
البيان والتبيين ( ط مكتبة الهلال )
سليمان بن داود صلّى اللّه عليه وسلّم العصا لخطبته وموعظته ، ولمقاماته ، وطول صلاته ، ولطول التلاوة والانتصاب ، فجعلها لتلك الخصال جامعة . قال اللّه عز وجل وقوله الحق : فَلَمَّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ . والمنسأة هي العصا . قال أبو طالب حين قام يذم الرجل الذي ضرب زميله بالعصا فقتله حين تخاصما في حبل وتجاذبا : أمن أجل حبل لا أباك علوته * بمنسأة قد جاء حبل وأحبل وقال آخر إذا دببت على المنسأة من كبر * فقد تباعد عنك اللهو والغزل قال أبو عثمان : وإنما بدأنا بذكر سليمان صلّى اللّه عليه وسلّم لأنه من أبناء العجم ، والشعوبية إليهم أميل ، وعلى فضائلهم أحرص ، ولما أعطاهم اللّه أكثر وصفا وذكرا . وقد جمع اللّه لموسى بن عمران عليه السلام في عصاه من البرهانات العظام ، والعلامات الجسام ، ما عسى أن يفي ذلك بعلامات عدة من المرسلين وجماعة من النبيين . قال اللّه تبارك وتعالى فيما يذكر من عصاه : إِنْ هذانِ لَساحِرانِ يُرِيدانِ أَنْ يُخْرِجاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِما ، إلى قوله تعالى : وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى . فلذلك قال الحسن بن هاني في شأن خصيب وأهل مصر حين اضطربوا عليه : فإن تك من فرعون فيكم بقية * فإن عصا موسى بكف خصيب ألم تر أن السحرة لم يتكلفوا تغليط الناس والتمويه عليهم إلا بالعصي ، ولا عارضهم موسى إلا بعصاه .